عبد القادر الجيلاني

79

فتوح الغيب

--> - أعمالهم : فليجتهدوا في التوبة من المعاصي والإصلاح في المستقبل ، فإن هذا الأمر ينفعهم ، وهو مقدور لهم بمعونة اللّه لهم . وفي صحيح مسلم [ 2664 ] عن أبي هريرة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى اللّه من المؤمن الضعيف ، وفي كلّ خير . احرص على ما ينفعك واستعن باللّه ، ولا تعجز [ في نسخة : تعجزن ] . وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت لكان كذا وكذا ، ولكن قل : قدّر اللّه وما شاء فعل ، فإنّ لو تفتح عمل الشيطان » . أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم بحرص العبد على ما ينفعه ، والاستعانة باللّه ، ونهاه عن العجز ، وأنفع ما للعبد طاعة اللّه ورسوله ، وهي عبادة اللّه تعالى . وهذان الأصلان هما حقيقة قوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . ونهاه عن العجز : وهو الإضاعة والتفريط والتواني ، كما قال في الحديث الآخر : « الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنّى على اللّه الأماني » . رواه الترمذي [ 2577 ] . وفي سنن أبي داود [ 3627 ] : أن رجلين تحاكما إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقضى على أحدهما ، فقال المقضي عليه : حسبي اللّه ونعم الوكيل . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يلوم على العجز ، ولكن عليك بالكيس ، فإذا غلبك أمر فقل : حسبي اللّه ونعم الوكيل » . فالكيس ضد العجز . وفي الحديث : « كل شئ بقدر حتى العجز والكيس » . رواه مسلم [ 2655 ] . وليس المراد بالعجز في كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلم ما يضادّ القدرة ، فإن من لا قدرة له بحال لا يلام ، ولا يؤمر بما لا يقدر عليه بحال . ثم لمّا أمره بالاجتهاد والاستعانة باللّه ، ونهاه عن العجز . أمره إذا غلبه أمر أن ينظر إلى القدر ، ويقول : « قدّر اللّه وما شاء فعل » . ولا يتحسّر ويتلهّف ويحزن ، ويقول : « لو أني فعلت كذا وكذا ، لكان كذا وكذا ، فإن لو تفتح عمل الشيطان » . وقد قال بعض الناس في هذا المعنى : الأمر أمران : أمر فيه حيلة ، وأمر لا حيلة فيه . فما فيه حيلة : لا يعجز [ في نسخة : تعجز ] عنه ، وما لا حيلة فيه : لا يجزع [ في نسخة : تجزع ] منه . وهذا هو الذي يذكره أئمة الدين ، كما ذكر الشيخ عبد القادر وغيره . فإنه لا بدّ من فعل المأمور ، وترك المحظور ، والرضا والصبر على المقدور . وقد قال تعالى حكاية عن يوسف [ عليه السلام ] : أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [ يوسف : 90 ] . فالتقوى تتضمّن : فعل المأمور ، وترك المحظور . والصبر يتضمّن : الصبر على المقدور . وقد قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا إلى قوله : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [ آل عمران : 118 - 120 ] . فبيّن سبحانه أنه مع التقوى والصبر لا يضرّ المؤمنين كيد أعدائهم المنافقين . وقال تعالى : بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [ آل عمران : 125 ] . فبيّن أنه مع الصبر والتقوى يمدّهم بالملائكة ، وينصرهم على أعدائهم الذين يقاتلونهم [ في نسخة : يقاتلوهم ] . وقال تعالى : * لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ -